ابن قيم الجوزية
16
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
وأن الجنة حق وأن النار حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن اللّه يبعث من في القبور ، وأن اللّه تعالى على عرشه ، كما قال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى وأن له يدين بلا كيف كما قال خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وكما قال بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ وأن له عينين بلا كيف كما قال تَجْرِي بِأَعْيُنِنا وأن له وجها كما قال وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ وأن أسماء اللّه تعالى لا يقال إنها غير اللّه كما قالت المعتزلة والخوارج وأقروا أن للّه علما كما قال أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وكما قال وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ * وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن اللّه كما تعتقد المعتزلة ، وأثبتوا للّه القوة كما قال : ( أو لم يروا أن اللّه خلقهم هو أشد منهم قوة ) وقالوا إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء اللّه وأن الأشياء تكون بمشيئة اللّه كما قال تعالى وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ * وكما قال المسلمون : ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن ( وقالوا ) إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله أو يكون أحد يقدر أن يخرج عن علم اللّه أو أن يفعل شيئا علم اللّه أنه لا يفعله ، وأقروا أنه لا خالق إلا اللّه تعالى ، وأن أفعال العباد يخلقها اللّه تعالى وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا ، وأن اللّه تعالى وفق المؤمنين لطاعته ، وخذل الكافرين ولطف بالمؤمنين ونظر لهم ولصلحهم وهداهم ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم ولو أصلحهم لكانوا صالحين ، ولو هداهم لكانوا مهتدين ، وأن اللّه تعالى يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم وخذلهم وأضلهم وطبع على قلوبهم ، وأن الخير والشر بقضاء اللّه وقدره ، ويؤمنون بقضاء اللّه وقدره خيره وشره حلوه ومره ، ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما شاء اللّه كما قال « 1 » ، ويلجئون أمرهم إلى اللّه ، ويثبتون الحاجة إلى اللّه في كل وقت والفقر إلى اللّه في كل حال ، ويقولون إن القرآن كلام اللّه غير مخلوق ، والكلام في الوقف واللفظ فمن قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم ، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق ، ويقولون إن اللّه تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر ، ويراه المؤمنون ولا يراه الكافرون ، لأنهم عن اللّه تعالى محجوبون ، قال اللّه تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ وأن موسى عليه السلام سأل اللّه سبحانه وتعالى الرؤية في الدنيا ، وإن اللّه تعالى تجلى للجبل فجعله دكا ، فأعلمه
--> ( 1 ) وهو قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء اللّه .